الشيعة الإمامية

من ويكي الجامعة, مركز التعليم الحر
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

الشيعة بعلامة التعريف هو على التخصيص لأتباع أمير المؤمنين على سبيل الولاء والاعتقاد لإمامته بعد الرسول بلا فصل ونفي الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة وجعله في الاعتقاد متبوعا لهم غير تابع لأحد منهم على وجه الاقتداء - السمة بالتشيع وجبت للإمامية والزيدية الجارودية لانتظامهم بمعناها وحصولهم على موجبها ولم يخرجوا عنها وإن ضموا إليها وفاقا بينهم أو خلافا في أنحاء من المعتقدات

- أوائل المقالات - الشيخ المفيد ص 34، 38:

1- باب القول في الفرق بين الشيعة فيما نسبت به إلى التشيع والمعتزلة فيما استحقت به اسم الاعتزال الإخلاص، قال الله عز وجل: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} ففرق بينهما في الاسم بما أخبر به من فرق ما بينهما في الولاية والعداوة، وجعل موجب التشيع لأحدهما هو الولاء بصريح الذكر له في الكلام، وقال الله تعالى: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإٍبْرَاهِيمَ} فقضى له بالسمة للاتباع منه لنوح عليه السلام على سبيل الولاء، ومنه قولهم: (فلان تكلم في كذا وكذا فشيع فلان كلامه) إذا صدقه فيه واتبعه في معانيه.

ومن هذا المعنى قيل لمن اتبع المسافر لوداعه: (هو مشيع له)، غير أنه ليس كل مشيع لغيره على حقيقة ما ذكرناه من الاتباع يستحق السمة بالتشيع، ولا يقع عليه إطلاق اللفظ بأنه من الشيعة وإن كان متبوعه محقا أو كان مبطلا إلا أن يسقط منه علامة التعريف التي هي الألف واللام ويضاف بلفظ (من) التبعيض فيقال: (هؤلاء من شيعة بني أمية) أو (من شيعة بني العباس) أو (من شيعة فلان أو فلان).

فأما إذا أدخل فيه علامة التعريف فهو على التخصيص لا محالة لأتباع أمير المؤمنين صلوات الله عليه على سبيل الولاء والاعتقاد لإمامته بعد الرسول صلوات الله عليه وآله بلا فصل ونفي الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة وجعله في الاعتقاد متبوعا لهم غير تابع لأحد منهم على وجه الاقتداء.

والذي يدل على صحة ذلك عرف الكافة ومعهودهم منه في الإطلاق، ومعرفة كل مخاطب منه مراد المخاطب في تعيين هذه الفرقة دون من سواها ممن يدعي استحقاقه من مخالفيها بما شرحناه، وكما يفهم العرف مراد المخاطب بذكر الإسلام على الإطلاق وذكر الحنيفية والإيمان والصلوة والزكوة والحج والصيام، وإن كانت هذه الأسماء في أصل اللسان غير مفيدة لما قررته الشريعة وقضى به العرف فيها على البيان.

ويزيد ذلك وضوحا ما حصل عليه الاتفاق من تعري الخوارج عن هذه السمة وخروجهم عن استحقاقها، وجهل من أطلقها عليهم بذكر الألف واللام وإن كانوا أتباعا لأبي بكر وعمر على سبيل الولاء، وكما خرج عن استحقاقها أيضا أهل البصرة وأتباع معاوية ومن قعد عن نصرة أمير المؤمنين عليه السلام وإن كانوا أتباعا لأئمة هدى عند أهل الخلاف، ومظهرين لترك عداوته مع الخذلان.

فيعلم بهذا الاعتبار أن السمة بالتشيع علم على الفريق الذي ذكرناه وإن كان أصلها في اللسان ما وصفناه من الاتباع، كما أن الإسلام علم على أمة محمد صلى الله عليه وآله خاصة، وإن كان في أصل اللغة اسما تستحقه اليهود لاستسلامها لموسى عليه السلام، وتستحقه النصارى بمثل ذلك، وتستحقه المجوس لانقيادها لزرادشت، وكل مستسلم لغيره يستحقه على معنى اللغة لكنهم خرجوا عن استحقاقه لما صار علما على أمة محمد صلى الله عليه وآله وتخصصت به دون من سواها للعرف والاستعمال.

وهذه الجملة كافية فيما أثبتناه وإن كان شرحها يتسع ويتناصر فيه البينات، لكنا عدلنا عنه لما نؤمه من الغرض فيما سواه وقد أفردنا رسالة لها استقصينا فيها الكلام.

وإذا ثبت ما بيناه بالسمة بالتشيع كما وصفناه وجبت للإمامية والزيدية الجارودية من بين سائر فرق الأمة لانتظامهم بمعناها وحصولهم على موجبها، ولم يخرجوا عنها وإن ضموا إليها وفاقا بينهم أو خلافا في أنحاء من المعتقدات، وخرجت المعتزلة والبكرية والخوارج والحشوية عنها لتعريهم عن معناها الذي وصفناه ولم يدخلهم فيها وفاق لمن وجبت له فيما سواه كائنا ما كان.

وأما المعتزلة وما وسمت به من اسم الاعتزال فهو لقب حدث لها عند القول بالمنزلة بين المنزلتين، وما أحدثه واصل بن عطاء من المذهب في ذلك ونصب من الاحتجاج له، فتابعه عمرو بن عبيد، ووافقه على التدين به من قال بها واتبعهما عليه إلى اعتزال الحسن البصري وأصحابه والتحيز عن مجلسه فسماهم الناس المعتزلة لاعتزالهم مجلس الحسن بعد أن كانوا من أهله، وتفردهم بما ذهبوا إليه من هذه المسألة من جميع الأمة وسائر العلماء، ولم يك قبل ذلك يعرف الاعتزال ولا كان علما على فريق من الناس.

فمن وافق المعتزلة فيما تذهب إليه من المنزلة بين المنزلتين كان معتزليا على الحقيقة، وإن ضم إلى ذلك وفاقا لغيرهم من أهل الآراء وغلب عليه اسم الاعتزال، ولم يخرجه عنه دينونته بما لا يذهب إليه جمهورهم من المقال.

كما يستحق اسم التشيع ويغلب عليه من دان بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام على حسب ما قدمناه، وإن ضم إلى ذلك من الاعتقاد ما ينكره كثير من الشيعة ويأباه، وكذلك ضرار بن عمرو كان معتزليا وإن دان بالمخلوق والماهية على خلاف جمهور أهل الاعتزال، وكان هشام بن الحكم شيعيا وإن خالف الشيعة كافة في أسماء الله تعالى وما ذهب إليه في معاني الصفات. - الإمامية من الشيعة من دان بوجوب الإمامة ووجودها في كل زمان وأوجب النص الجلي والعصمة والكمال لكل إمام ثم حصر الإمامة في ولد الحسين بن علي وساقها إلى الرضا علي بن موسى

- أوائل المقالات - الشيخ المفيد ص 38، 39:

2- باب الفرق بين الإمامية وغيرهم من الشيعة وسائر أصحاب المقالات

فأما السمة للمذهب بالإمامة ووصف الفريق من الشيعة بالإمامية فهو علم على من دان بوجوب الإمامة ووجودها في كل زمان، وأوجب النص الجلي والعصمة والكمال لكل إمام، ثم حصر الإمامة في ولد الحسين بن علي عليهما السلام وساقها إلى الرضا علي بن موسى عليهما السلام لأنه وإن كان في الأصل علما على من دان من الأصول بما ذكرناه دون التخصيص لمن قال في الأعيان بما وصفناه، فإنه قد انتقل عن أصله لاستحقاق فرق من معتقديه ألقابا بأحاديث لهم بأقاويل أحدثوها فغلبت عليهم في الاستعمال دون الوصف بالإمامية، وصار هذا الاسم في عرف المتكلمين وغيرهم من الفقهاء والعامة علما على من ذكرناه.

وأما الزيدية فهم القائلون بإمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن والحسين وزيد بن علي عليهم السلام وبإمامة كل فاطمي دعا إلى نفسه وهو على ظاهر العدالة ومن أهل العلم والشجاعة وكانت بيعته على تجريد السيف للجهاد. - الشيعة تقطع بإمامة أمير المؤمنين بعد رسول الله بلا فصل وتقضي له بذلك إلى وقت وفاته وتخطئ من شك في هذا المقال على كل حال

- الإفصاح - الشيخ المفيد ص 30، 31:

فإن قال: أبينوا لي عن صحة هذا المقال، فإني أراكم مدعين الاجماع فيما ظاهره الاختلاف، ولست أقنع منكم فيه إلا بالشرح لوجهه والبيان.

قيل له: ليس فيما حكيناه من الإجماع اختلاف ظاهر ولا باطن، فإن ظننت ذلك لبعدك عن الصواب، أفلا ترى أن الشيعة من فرق الأمة تقطع بإمامته عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل، وتقضي له بذلك إلى وقت وفاته، وتخطئ من شك في هذا المقال على كل حال...

والحشوية والمرجئة والمعتزلة متفقون على إمامته صلى الله عليه وآله بعد عثمان، وأنه لم يخرج عنها حتى توفاه الله تعالى راضيا عنه، سليما من الضلال؟

والخوارج وهم أخبث أعدائه وأشدهم عنادا يعترفون له بالإمامة، كاعتراف الفرق الثلاث، وإن فارقوهم بالشبهة في انتهاء الحال؟ ولا سادس في الأمة لمن ذكرناه يخرج بمذهبه عما شرحناه، فيعلم بذلك وضوح ما حكمنا به من الإجماع على إمامته بعد النبي صلى الله عليه وآله كما وصفناه. - الإمامية هم كل من قال بوجوب الإمامة والعصمة ووجوب النص فكل من جمع هذه الأصول فهو إمامي وإن ضم إليها حقا في المذهب كان أم باطلا

- الفصول المختارة- الشيخ المفيد ص 296، 299:

فصل: في معنى نسبة الإمامية. قال الشيخ أيده الله: الإمامية هم القائلون بوجوب الإمامة والعصمة ووجوب النص، وإنما حصل لها هذا الاسم في الأصل لجمعها في المقالة هذه الأصول فكل من جمعها فهو إمامي وإن ضم إليها حقا في المذهب كان أم باطلا، ثم إن من شمله هذا الاسم واستحقه لمعناه قد افترقت كلمتهم في أعيان الأئمة عليهم السلام وفي فروع ترجع إلى هذه الأصول وغير ذلك.

فأول من شذ عن الحق من فرق الامامية؛ (الكيسانية) وهم أصحاب المختار، وإنما سميت بهذا الاسم لأن المختار كان اسمه أولا كيسان، وقيل إنما سمي بهذا الاسم لان أباه حمله وهو صغير فوضعه بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام قالوا: فمسح يده على رأسه وقال: كيس كيس فلزمه هذا الاسم.

وزعمت فرقة منهم أن محمد بن علي عليه السلام استعمل المختار على العراقين بعد قتل الحسين عليه السلام وأمره بالطلب بثأره وسماه كيسان لما عرف من قيامه ومذهبه، وهذه الحكايات في معنى اسمه عن الكيسانية خاصة، فأما نحن فلا نعرف إلا أنه سمى بهذا الاسم ولا نتحقق معناه.

وقالت هذه الطائفة بإمامة أبي القاسم محمد بن أمير المؤمنين عليه السلام ابن خولة الحنفية، وزعموا أنه هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، وأنه حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر الحق، وتعلقت في إمامته بقول أمير المؤمنين عليه السلام يوم البصرة: "أنت ابني حقا"، وأنه كان صاحب رايته كما كان أمير المؤمنين عليه السلام صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وآله وكان ذلك عندهم الدليل على أنه أولى الناس بمقامه. واعتلوا في أنه المهدي بقول النبي صلى الله عليه وآله لن تنقض الأيام والليالي حتى يبعث الله عز وجل رجلا من أهل بيتي اسمه اسمي وكنيته كنيتي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. قالوا: وكان من أسماء أمير المؤمنين عليه السلام: عبد الله، بقوله: "أنا عبد الله وأخو رسول الله وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتر". وتعلقوا في حياته بأنه إذا ثبت إمامته وانه القائم، فقد بطل أن يكون الإمام غيره، وليس يجوز أن يموت قبل ظهوره فتخلو الأرض من حجة، فلا بد على صحة هذه الأصول من حياته.

وهذه الفرقة بأجمعها تذهب إلى أن محمدا رحمه الله كان الإمام بعد الحسن والحسين عليهما السلام. وقد حكي عن بعض الكيسانية أنه كان يقول: إن محمدا كان الإمام بعد أمير المؤمنين عليه السلام ويبطل إمامة الحسن والحسين عليهما السلام ويقول: إن الحسن عليه السلام إنما دعا في باطن الدعوة إلى محمد بأمره، وأن الحسين عليه السلام ظهر بالسيف بإذنه وأنهما كانا داعيين إليه وأميرين من قبله. وحكي عن بعضهم أن محمدا مات وحصلت الإمامة بعده في ولده وأنها انتقلت من ولده إلى ولد العباس ابن عبد المطلب، وقد حكي أيضا أن منهم من يقول: إن عبد الله بن محمد حي لم يمت وأنه القائم وهذه حكاية شاذة. وقيل: إن منهم من يقول: إن محمدا قد مات وأنه يقوم بعد الموت وهو المهدي وينكر حياته، وهذا أيضا قول شاذ.

وجميع ما حكيناه بعد الأول من الأقوال فهو حادث ألجا القوم إليه الاضطرار عند الحيرة وفراقهم الحق. والأصل المشهور ما حكيناه من قول الجماعة المعروفة بإمامة أبي القاسم بعد أخويه عليهما السلام والقطع على حياته وأنه القائم. مع أنه لا بقية للكيسانية جملة وقد انقرضوا حتى لا يعرف منهم في هذا الزمان أحد إلا ما يحكى ولا يعرف صحته.

وكان من الكيسانية أبو هاشم إسماعيل بن محمد الحميري الشاعر رحمه الله وله في مذهبهم أشعار كثيرة ثم رجع عن القول بالكيسانية وبرئ منه ودان بالحق، لان أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام دعاه إلى إمامته وأبان له عن فرض طاعته فاستجاب له فقال بنظام الإمامة وفارق ما كان عليه من الضلالة وله في ذلك أيضا شعر معروف، ومن بعض قوله في إمامة محمد رضوان الله عليه ومذاهب الكيسانية قوله:

ألا حي المقيم بشعب رضوى * وأهد له بمنزله السلاما

وقل يا بن الوصي فدتك نفسي * أطلت بذلك الجبل المقاما

أضر بمعشر والوك منا * وسموك الخليفة والإماما

وعادوا فيك أهل الأرض طرا * مقامك عندهم سبعين عاما

لقد أضحى بمورق شعب رضوى * تراجعه الملائكة الكلاما

وما ذاق ابن خولة طعم موت * ولا وارت له أرض عظاما

وإن له بها لمقيل صدق * وأندية تحدثه كراما

وله أيضا وقد روى عبد الله بن عطاء عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام أنه قال: أنا دفنت عمي محمد بن الحنفية ونفخت يدي من تراب قبره فقال:

نبئت أن ابن عطاء روى * وربما صرح بالمنكر

لما لوى أن أبا جعفر * قال ولم يصدق ولم يبرر

دفنت عمي ثم غادرته * صفيح لبن وتراب ثري

ما قاله قط ولو قاله * قلنا اتق الله أبا جعفر

وله عند رجوعه إلى الحق وفراقه الكيسانية:

تجعفرت باسم الله والله أكبر * وأيقنت أن الله يعفو ويغفر

ودنت بدين غير ما كنت داينا * به ونهاني سيد الناس جعفر

فقلت هب إني قد تهودت برهة * وإلا فديني دين من يتنصر

فلست بغال ما حييت وراجع * إلى ما عليه كنت أخفى وأضمر

ولا قائل قولا لكيسان بعدها * وإن عاب جهال مقالي وأكثروا

ولكنه من قد مضى لسبيله * على أحسن الحالات يقضى ويؤثر

وكان كثير عزة كيسانيا ومات على ذلك، وله في مذهب الكيسانية قوله:

ألا إن الأئمة من قريش * ولاة الحق أربعة ساء

علي والثلاثة من بنيه * هم الأسباط ليس بهم خفاء

فسبط سبط إيمان وبر * وسبط غيبته كربلاء

وسبط لا يذوق الموت حتى * يقود الخيل يقدمها اللواء

يغيب فلا يرى فيهم زمانا * برضوى عنده عسل وماء - بعد وفاة الإمام الصادق مضت الإمامية على سنن القول في الإمامة ودانت بإمامة موسى بن جعفر - بعد وفاة الإمام موسى بن جعفر مضت الإمامية على سنن القول في الإمامة ودانت بإمامة علي بن موسى الرضا

- الفصول المختارة- الشيخ المفيد ص 313، 315:

فصل: قال الشيخ أيده الله: ثم لم تزل الإمامية بعد من ذكرناه على نظام الإمامة حتى قبض موسى بن جعفر عليه السلام، فافترقت بعد وفاته فرقا قال جمهورهم بإمامة أبي الحسن الرضا عليه السلام ودانوا بالنص عليه وسلكوا الطريقة المثلى في ذلك، وقال جماعة منهم بالوقف على أبي الحسن موسى عليه السلام وادعوا حياته وزعموا أنه هو المهدي المنتظر. وقال فريق منهم إنه قد مات وسيبعث وهو القائم بعده.

واختلفت الواقفة في الرضا عليه السلام ومن قام من آل محمد بعد أبي الحسن موسى عليه السلام فقال بعضهم هؤلاء خلفاء أبي الحسن عليه السلام وامراؤه وقضاته إلى أوان خروجه وإنهم ليسوا بأئمة وما ادعوا الإمامة قط، وقال الباقون إنهم ضالون مخطئون ظالمون، وقالوا في الرضا عليه السلام خاصة قولا عظيما وأطلقوا تكفيره وتكفير من قام بعده من ولده.

وشذت فرقة ممن كان على الحق إلى قول سخيف جدا فأنكروا موت أبي الحسن عليه السلام وحبسه، وزعموا أن ذلك كان تخييلا للناس، وادعوا أنه حي غائب وأنه هو المهدي وزعموا أنه استخلف على الأمر محمد بن بشر مولى بني أسد، وذهبوا إلى الغلو والقول بالإباحة ودانوا بالتناسخ.

واعتلت الواقفة فيما ذهبوا إليه بأحاديث رووها عن أبي عبد الله عليه السلام منها أنهم حكوا عنه أنه لما ولد موسى بن جعفر عليه السلام دخل أبو عبد الله عليه السلام على حميدة البربرية أم موسى عليه السلام فقال لها: "يا حميدة بخ بخ حل الملك في بيتك" قالوا: وسئل عن اسم القائم فقال اسمه اسم حديدة الحلاق.

فيقال لهذه الفرقة: ما الفرق بينكم وبين الناووسية الواقفة على أبي عبد الله عليه السلام والكيسانية الواقفة على أبي القاسم ابن الحنفية رحمة الله عليه، والمفوضة المنكرة لوفاة أبي عبد الله الحسين عليه السلام الدافعة لقتله، والسبائية المنكرة لوفاة أمير المؤمنين عليه السلام المدعية حياته، والمحمدية النافية لموت رسول الله صلى الله عليه وآله المتدينة بحياته. وكل شيء راموا به كسر مذاهب من عددناهم فهو كسر لمذاهبهم ودليل على إبطال مقالتهم.

ثم يقال لهم فيما تعلقوا به من الحديث الأول: ما أنكرتم أن يكون الصادق عليه السلام أراد بالملك الإمامة على الخلق وفرض الطاعة على البشر وملك الأمر والنهي، وأي دليل في قوله لحميدة: "حل الملك في بيتك" على أنه نص على ابنه بأنه القائم بالسيف أو ما سمعتم الله تعالى يقول: {فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} وإنما أراد ملك الدين والرئاسة فيه على العالمين.

وأما قوله عليه السلام وقد سئل، عن اسم القائم فقال اسم حديدة الحلاق، فانه إن صح وثبت ذلك -على أنه غير معروف- فإنما أشار به إلى القائم بالإمامة بعده ولم يشر به إلى القائم بالسيف، وقد علمنا أن كل إمام فهو قائم بالأمر بعد أبيه فأي حجة فيما تعلقوا به لولا عمى القلوب.

على أنه يقال لهم: ما الدليل على إمامة أبي الحسن موسى عليه السلام وما البرهان على أن أباه نص عليه؟ فبأي شيء تعلقوا في ذلك واعتمدوا عليه، أريناهم بمثله صحة إمامة الرضا عليه السلام وثبوت النص من أبيه عليه، وهذا ما لا يجدون عنه مخلصا.

وأما من زعم أن الرضا عليه السلام ومن بعده كانوا خلفاء أبي الحسن موسى عليه السلام ولم يدعوا الأمر لأنفسهم، فانه قول مباهت لا يذكر في دفع الضرورة ولان جميع شيعة هؤلاء القوم وغير شيعتهم من الزيدية الخلص ومن تحقق النظر، يعلم يقينا أنهم كانوا ينتحلون الإمامة وأن الدعاة إلى ذلك خاصتهم من الناس، ولا فصل بين هذه الفرقة في بهتها وبين الفرق الشاذة من الكيسانية فيما ادعوه من أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا خليفتي محمد بن الحنفية وأن الناس لم يبايعوهما على الإمامة لأنفسهما، وهذا قول وضوح فساده يغني عن الإطناب فيه.

وأما البشرية فان دليل وفاة أبي الحسن عليها السلام وإمامة الرضا عليه السلام وبطلان الحلول والاتحاد ولزوم الشرايع وفساد الغلو والتناسخ يدل بمجموع ذلك وبآحاده على فساد ما ذهبوا إليه. - بعد وفاة الإمام علي بن موسى الرضا مضت الإمامية على سنن القول في الإمامة ودانت بإمامة الجواد محمد بن علي

- الفصول المختارة- الشيخ المفيد ص 315، 316:

فصل: قال الشيخ أيده الله: ثم إن الإمامية استمرت على القول بأصول الإمامة طول أيام أبي الحسن الرضا عليه السلام، فلما توفي وخلف ابنه أبا جعفر عليه السلام وله عند وفاة أبيه سبع سنين، اختلفوا وتفرقوا ثلاث فرق:

فرقة مضت على سنن القول في الإمامة ودانت بإمامة أبي جعفر عليه السلام ونقلت النص عليه وهم أكثر الفرق عددا.

وفرقة ارتدت إلى قول الواقفة ورجعوا عما كانوا عليه من إمامة الرضا عليه السلام.

وفرقة قالت بإمامة أحمد بن موسى عليه السلام وزعموا أن الرضا عليه السلام وصى إليه ونص بالإمامة عليه. واعتل الفريقان الشاذان عن أصل الإمامة بصغر سن أبي جعفر عليه السلام وقالوا ليس يجوز أن يكون إمام الزمان صبيا لم يبلغ الحلم.

فيقال لهم: ما سوى الراجعة إلى الوقف كما قيل للواقفة دلوا بأي دليل شئتم على إمامة الرضا عليه السلام حتى نريكم بمثله إمامة أبي جعفر عليه السلام، وبأي شيء طعنتم به في نقل النص على أبي جعفر عليه السلام فان الواقفة تطعن بمثله في نقل النص على أبي الحسن الرضا عليه السلام ولا فصل في ذلك.

على أن ما اشتبه عليهم من جهة سن أبي جعفر عليه السلام فانه بين الفساد، وذلك أن كمال العقل لا يستنكر لحجج الله تعالى مع صغر السن قال الله سبحانه: {قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} فخبر عن المسيح عليه السلام بالكلام في المهد، وقال في قصة يحيى عليه السلام: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}. وقد أجمع جمهور الشيعة مع سائر من خالفهم على أن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا عليا عليه السلام وهو صغير السن ولم يدع الصبيان غيره، وباهل بالحسن والحسين عليهما السلام وهما طفلان، ولم ير مباهل قبله ولا بعده باهل بالأطفال.

وإذا كان الأمر على ما ذكرناه من تخصيص الله تعالى حججه على ما شرحناه، بطل ما تعلق به هؤلاء القوم.

على أنهم إن أقروا بظهور المعجزات على الأئمة عليهم السلام وخرق العادة لهم وفيهم، بطل أصلهم الذي اعتمدوا عليه في إنكار إمامة أبي جعفر عليه السلام وإن أبوا ذلك ولحقوا بالمعتزلة في إنكار المعجز إلا على الأنبياء عليهم السلام، كلموا بما تكلم به إخوانهم من أهل النصب والضلال، وهذا المقدار يكفي بمشيئة الله في نقض ما اعتمدوه بما حكيناه. - بعد وفاة الإمام الجواد محمد بن علي مضت الإمامية على سنن القول في الإمامة ودانت بإمامة الهادي علي بن محمد

- الفصول المختارة- الشيخ المفيد ص 317:

فصل: قال الشيخ أيده الله: ثم ثبتت الإمامية القائلون بإمامة أبي جعفر عليه السلام بأسرها على القول بإمامة أبي الحسن علي بن محمد من بعد أبيه عليهما السلام ونقل النص عليه إلا فرقة قليلة العدد شذوا عن جماعتهم، فقالوا بإمامة موسى بن محمد أخي أبى الحسن علي بن محمد ثم إنهم لم يثبتوا على هذا القول إلا قليلا حتى رجعوا إلى الحق ودانوا بإمامة علي بن محمد عليه السلام ورفضوا القول بإمامة موسى بن محمد وأقاموا جميعا على إمامة أبي الحسن عليه السلام. - بعد وفاة الإمام الهادي علي بن محمد قال جمهور الإمامية بإمامة العسكري الحسن بن علي ونقلوا النص عليه وأثبتوه

- الفصول المختارة- الشيخ المفيد ص 317، 318:

فلما توفي تفرقوا بعد ذلك: فقال الجمهور منهم بإمامة أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام ونقلوا النص عليه وأثبتوه.

وقال فريق منهم: إن الإمام بعد أبي الحسن، محمد بن علي أخو أبي محمد عليه السلام وزعموا أن أباه عليا عليه السلام نص عليه في حياته، وهذا محمد كان قد توفي في حياة أبيه فدفعت هذه الفرقة وفاته وزعموا أنه لم يمت وأنه حي وهو الإمام المنتظر.

وقال نفر من الجماعة شذوا أيضا عن الأصل: إن الإمام بعد محمد بن علي بن محمد بن علي بن موسى عليهم السلام أخوه جعفر بن علي وزعموا أن أباه نص عليه بعد مضي محمد وأنه القائم بعد أبيه.

فيقال للفرقة الأولى: لم زعمتم أن الإمام بعد أبي الحسن عليه السلام ابنه محمد وما الدليل على ذلك؟ فان ادعوا النص طولبوا بلفظه والحجة عليه ولن يجدوا لفظا يتعلقون به في ذلك ولا تواتر يعتمدون عليه، لأنهم في أنفسهم من الشذوذ والقلة على حد ينفى عنهم التواتر القاطع للعذر في العدد مع أنهم قد انقرضوا ولا بقية لهم وذلك مبطل أيضا لما ادعوه.

ويقال لهم في ادعاء حياته، ما قيل للكيسانية والناووسية والواقفة، ويعارضون بما ذكرناه ولا يجدون فصلا.

فأما أصحاب جعفر فان أمرهم مبني على إمامة محمد، وإذا سقط قول هذا الفريق لعدم الدلالة على صحته وقيامها على إمامة أبي محمد عليه السلام فقد بان فساد ما ذهبوا إليه. - بعد وفاة الإمام العسكري الحسن بن علي قال جمهور الإمامية بإمامة ابنه القائم المنتظر وأثبتوا ولادته وصححوا النص عليه - تعتقد الإمامية بأن الإمام المهدي هو سمي رسول الله ومهدي الأنام له غيبتان إحداهما أطول من الأخرى والأولى منهما هي القصرى وله فيها الأبواب والسفراء

- الفصول المختارة- الشيخ المفيد ص 318، 321:

فصل: قال الشيخ أيده الله: ولما توفي أبو محمد الحسن بن علي بن محمد عليهم السلام افترق أصحابه بعده على ما حكاه أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي رضي الله عنه أربع عشرة فرقة: فقال الجمهور منهم بإمامة ابنه القائم المنتظر عليه السلام وأثبتوا ولادته وصححوا النص عليه وقالوا هو سمي رسول الله ومهدي الأنام، واعتقدوا أن له غيبتين إحداهما أطول من الأخرى، والأولى منهما هي القصرى، وله فيها الأبواب والسفراء، ورووا عن جماعة من شيوخهم وثقاتهم أن أبا محمد الحسن عليه السلام أظهره لم وأراهم شخصه، واختلفوا في سنه عند وفاة أبيه فقال كثير منهم: كان سنه إذ ذاك خمس سنين لان أباه توفي سنة ستين ومائتين، وكان مولد القائم عليه السلام سنة خمس وخمسين ومائتين وقال بعضهم بل كان مولده سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وكان سنه عند وفاة أبيه ثماني سنين، وقالوا إن أباه لم يمت حتى أكمل الله عقله وعلمه الحكمة وفصل الخطاب وأبانه من سائر الخلق بهذه الصفة إذ كان خاتم الحجج ووصي الأوصياء وقائم الزمان. واحتجوا في جواز ذلك بدليل العقل من حيث ارتفعت إحالته ودخل تحت القدرة، وبقوله تعالى في قصة عيسى عليه السلام {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} وفي قصة يحيى عليه السلام {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}، وقالوا: إن صاحب الأمر عليه السلام حي لم يمت ولا يموت ولو بقي ألف عام حتى يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، وأنه يكون عند ظهوره شابا قويا في صورة ابن نيف وثلاثين سنة، وأثبتوا ذلك في معجزاته وجعلوه من جملة دلائله وآياته عليه السلام. - لم يبق من فرق الإمامية إلا الاثنا عشرية القائلة بإمامة ابن الحسن المسمى باسم رسول الله القاطعة على حياته وبقائه إلى وقت قيامه بالسيف وهم أكثر فرق الشيعة عددا وعلماء ومتكلمين ونظارا وصالحين وعبادا ومتفقهة وأصحاب حديث وأدباء وشعراء وهم وجه الإمامية ورؤساء جماعتهم والمعتمد عليهم في الديانة ومن سواهم منقرضون

- الفصول المختارة- الشيخ المفيد ص 321:

قال الشيخ أيده الله: وليس من هؤلاء الفرق التي ذكرناها فرقة موجودة في زماننا هذا وهو من سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة إلا (الإمامية الاثنا عشرية) القائلة بإمامة ابن الحسن المسمى باسم رسول الله صلى الله عليه وآله القاطعة على حياته وبقائه إلى وقت قيامه بالسيف، حسبما شرحناه فيما تقدم عنهم وهم أكثر فرق الشيعة عددا وعلماء ومتكلمين ونظارا وصالحين وعبادا ومتفقهة وأصحاب حديث وأدباء وشعراء، وهم وجه الإمامية ورؤساء جماعتهم والمعتمد عليهم في الديانة، ومن سواهم منقرضون لا يعلم أحد من جملة الأربع عشرة فرقة التي قدمنا ذكرها ظاهرا بمقالة ولا موجودا على هذا الوصف من ديانته وإنما الحاصل منهم حكاية عمن سلف وأراجيف بوجود قوم منهم لا تثبت.