علم الاجتماع الاسلامي/الدروس

من ويكي الجامعة, مركز التعليم الحر
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مناهج العلوم وفلسفتها من منظور إسلامي

تمهيد:

هناك مقولة قديمة تقول: «الفلسفة بنت الدين وأم العلوم». وتعبر هذه المقولة تعبيرًا صادقًا عن مدى الصلة الوثيقة التي تربط بين العلوم والمعارف الإنسانية التي تمثل حلقات متصلة تلبي حاجات وتطلعات الإنسان. فكما هو في حاجة إلى الدين فإنه أيضًا في حاجة إلى الفلسفة وسائر العلوم. ومن هنا فإن افتعال خصومة بين هذه العناصر أمر لا مبرر له وليس في مصلحة الإنسان، ولا يعبر عن حقيقة جوهره.

صحيح أننا نعيش الآن عصر العلم، عصر ثورة المعلومات والاتصالات والطفرة التكنولوجية الكبرى. ولكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن الإنسان يمكن أن يستغني تمامًا عن الدين وعن سائر العلوم العقلية لصالح العلوم الطبيعية.

وصحيح أيضًا أن التطورات العلمية الهائلة قد تصيب الإنسان بالغرور وتدفعه إلى الاعتقاد بأن التقدم المادي هو كل شيء، ولكنه في نهاية الأمر يجد نفسه مدفوعًا إلى الحنين إلى الاعتقاد وإلى البحث عن شيء يملأ فراغ نفسه ويشعره بالاطمئنان. وهذا الحنين في حد ذاته يدل على أن هناك حاجات نفسية وجدانية وحاجات عقلية لا يجوز تجاهلها إذا أراد الإنسان لنفسه السعادة في هذه الحياة. ويذكرني ذلك بكتاب كنا نقرؤه ونحن طلاب في المرحلة الثانوية بعنوان (الله يتجلى في عصر العلم) لمجموعة من أبرز العلماء في مختلف العلوم في الغرب أجمعوا على أن إنجازاتهم العلمية قادتهم إلى الإيمان.

العلم والحضارة:

والمتتبع لنشأة الحضارات الإنسانية يجد أنها قامت على أساس من الدين والعلم معًا. ومن هنا اهتم الوحي القرآني في أول ما نزل منه بلفت الأنظار والعقول إلى مفاتيح الحضارة قبل أن يتحدث عن أي شيء آخر يتعلق بالعقيدة وأمور الآخرة . فكانت الآيات الخمس الأولى من سورة العلق التي تأمر بالقراءة مرتين وتشيد بالعلم وبالقلم الذي هو وسيلة تدوين العلم وبالإنسان حامل هذا العلم. وكان هذا الوحي عودًا على بدء. فقبل أن يهبط الله آدم إلى الأرض علمه الأسماء كلها، أي أعطاه مفاتيح الحضارة التي يستطيع من خلالها أن يلبي الأمر الإلهي بإعمار الأرض في قوله تعالى:

"وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ" (هود: 61)

أي : طلب منكم عمارتها وصنع الحضارة فيها.

ولتأكيد ذلك جعل الإسلام طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وقد أدرك المسلمون الأوائل كل هذه المعاني وساروا على نهجها فكانت لهم إسهاماتهم التي لا تنسى في تقدم العلوم وازدهار الحضارة، وإذا كانت الحضارة لا تقوم إلا بالعلم، فإن العلم لا يقوم إلا بمنهج. وإذا كان العلم فريضة فإن منهج العلم فريضة أيضًا ويعد جزءًا لا يتجزأ من العلم.

ومناهج العلوم تختلف باختلاف موضوعاتها من علم إلى آخر. وقد أسهم أسلافنا إسهامات جادة في تقدم العلوم ومناهجها. وكان لا بد في هذا الصدد من تحديد الحدود بين العلوم المختلفة حتى لا تختلط الأمور. ومن هنا كان (إحصاء العلوم) للفارابي بوصفه أول محاولة جادة في هذا الصدد استفاد منها الأوروبيون كثيرًا في العصور الوسطى حتى بداية القرن السادس عشر.

وقد تحدث القاضي صاعد بن أحمد الأندلسي عن هذا الكتاب فقال: «وله كتاب شريف في إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها، ولم يسبق إليه ولا ذهب أحد مذهبه فيه، ولا يستغني طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به وتقديم النظر فيه»(1).

والعلم -كما نعرف من تراثنا- رحم بين أهله وتواصل بين الأجيال والحضارات، وكل جيل يضيف إليه شيئًا جديدًا يمهد به السبيل لمن يجيء بعده.

ولن يكتمل بناء صرح العلم ما دام الإنسان في هذا الوجود، فالعلم نسبي وقابل للتطور المستمر. والكلمة الأخيرة في العلم أو في الفلسفة لم يقلها جيل بعينه وإلا أصيب الفكر بالجمود وحكم عليه بالعقم الأبدي.

ومن أجل ذلك ستظل محاولات التجديد والتطوير والإبداع متواصلة بلا انقطاع، ما دام الإنسان في هذا الوجود. ومهمة اللاحق وفرصته أفضل دائمًا من فرصة السابق عليه. وقد أشار إلى ذلك أبو بكر الرازي في حديثه عن الفلسفة حيث يقول: «اعلم أن كل متأخر من الفلاسفة إذا صرف همته إلى النظر في الفلسفة وواظب على ذلك، واجتهد فيه، وبحث عن الذي اختلفوا فيه لدقته وصعوبته عَلِم عِلْم من تقدمه منهم، وحفظه واستدرك بفطنته وكثرة بحثه ونظره أشياء أخرى؛ لأنه مهر بعلم من تقدمه، وفطن لفوائد أخرى واستفضلها، إذ كان البحث والنظر والاجتهاد يوجب الزيادة والفضل»(2).

وما قاله أبو بكر الرازي في هذا النص عن الفلسلفة ينطبق بطبيعة الحال على سائر العلوم. فالعلم قسمة مشتركة بين بني البشر. وهناك تفاعل مستمر بين الأجيال والحضارات، وكل جيل يبدأ من حيث انتهى الآخرون، وكل جيل مدين للجيل السابق عليه بما قدمه من عطاء.

ومن هنا فإنه لا يجوز لأي حضارة أن تدعي لنفسها أنها أنجزت ما أنجزت دون أن تستفيد من غيرها بشكل مباشر أو غير مباشر سواء كان هذا الإنجاز تعديلًا أو تصحيحًا لما قاله السابقون، أو إضافة جديدة للبناء العلمي الذي هو ملك للبشرية كلها. فالعقل الإنساني واحد لدى جميع البشر، وهو: «أعدل الأشياء قسمة بين الناس» كما يقول ديكارت.

ولا شك في أن الحضارة الإسلامية قد استفادت من الإنجازات العلمية والفكرية السابقة عليها كما أفادت بدورها الحضارة الأوروبية الحديثة بما قدمته لها من عطاء في العصور الوسطى عن طريق الترجمات العديدة من خلال المعابر الحضارية في كل من الأندلس وجزيرة صقلية. وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يوجد مبرر لمحاولة البعض على كلا الجانبين إنكار أو نفي هذا التواصل العلمي والحضاري بين الثقافات.

ويؤكد القرآن الكريم في قوله -تعالى-:

"وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"

(الجاثية: 13)

أن السماء والأرض وما بينهما مجال للنظر والبحث العلمي. وختام الآية يبين لنا أن ذلك لن يكون متاحًا إلا لهؤلاء الذين يتفكرون، أي الذين يستخدمون عقولهم في البحث والنظر بصرف النظر عن الجنس أو الدين أو العرق أو اللغة. فالمجال مفتوح لكل من لديه استعداد لاستخدام عقله وفكره فيما خلق له.

وفي ضوء هذه الآية الكريمة أود أن أطرح سؤالًا عن جدوى ما يبذل من جهود مشكورة في مجال أسلمة العلوم لتطوير حياتنا الإسلامية. ألم يكن من الأجدى أن نختصر الطريق ونبدأ من حيث انتهى الآخرون حتى نستطيع أن نلحق بركب التطور العلمي؟ لقد انطلقت هذه الدعوة منذ أكثر من ربع قرن من الزمان، فما الذي قدمته للارتقاء بالعلم في مجالاته المختلفة في العالم الإسلامي؟

ولست أنكر أن طرح مثل هذه الأسئلة سيصدم البعض، ولا أنكر أني كنت في سنوات سابقة معجبًا بطروحات أسلمة العلوم. ولكني وجدت -وهذا رأي شخصي- أن من الأفضل أن توجه هذه الجهود إلى البحث العلمي نفسه وإلى أخلاقيات العلم التي أصبحت الحاجة إليها ملحة بعد أن وصلنا إلى مرحلة الاستنساخ البشري وما قد يجره ذلك من عبث بالجينات البشرية، وما لذلك كله من آثار بعيدة المدى على حياة الجنس البشري كله.

ولست أريد بطرح هذه الأسئلة التقليل من شأن أصحاب هذا الاتجاه. ولا أشك في إخلاصهم ونواياهم الحسنة. فالخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية. وأنا بطبعي أحترم كل الآراء، ولكن احترام الرأي شيء والقبول به شيء آخر.

وأود في هذا المقام أن أشير إلى أن جائزة الملك فيصل التي تمنح سنويًا لعدد من العلماء في مختلف العلوم على مستوى العالم يكاد ينحصر الفوز بها في علوم الطب والفيزياء وغيرها في علماء من الغرب من غير المسلمين، الأمر الذي يدل على تخلف العلماء المسلمين في هذه المجالات. فالجائزة إذن تمنح للجدير بها بصرف النظر عن عقيدته أو جنسه أو عرقه، وهذا أمر يحمد للجائزة وللقائمين عليها.

وهناك نقطة أخرى مهمة أود التطرق إليها تتعلق بالتراث العلمي في الحضارة الإسلامية. فالعودة إلى هذا التراث وإبرازه لتأكيد الإنجازات الرائعة التي قام بها العلماء المسلمون في السابق أمر مطلوب ومشكور، ولكن بشرط أن يكون ذلك في إطار حدود معينة، أي في إطار استعادة الثقة بأنفسنا حتى نستمر في السير على الدرب. فلسنا أقل في عقولنا وقدراتنا من السابقين، ولكننا في حاجة إلى استعادة هذه الثقة حتى لا نصاب بمركب النقص إزاء الدول التي سبقتنا في التقدم العلمي والحضاري، على الرغم من أن هذه الدول كانت تعيش في ظلام دامس في العصور الوسطى في الوقت الذي كانت فيه الحضارة الإسلامية في قمة ازدهارها وعطائها.

ومن هنا فإنه لا يجوز لنا أن نضيع الكثير من الوقت والجهد أو الوقوف عند حد اجترار الذكريات أو التغني بالأمجاد، فقيمة المرء بما يقدمه من عطاء وليس بما قدمه أسلافه أو كما قال الشاعر ابن الوردي:

لا تقل أصلي وفصلي أبدًا إنما أصل الفتى ما قد حصل

ورحم الله جمال الدين الأفغاني. فقد زاره المفكر الإسلامي شكيب أرسلان في الآستانة حينما كان شبه أسير لدى سلطات الخلافة العثمانية، ودار الحديث حول ما روي من أن العرب قد عبروا المحيط الأطلنطي قديمًا واكتشفوا القارة الأمريكية قبل أن يكتشفها كرستوفر كولمبوس عام 1492م. وقد رد عليه الأفغاني بقوله: «إن الشرقيين كلما أرادوا الاعتذار عما هم فيه من الخمول الحاضر قالوا: أفلا ترون كيف كان آباؤنا؟ نعم قد كان آباؤكم رجالًا، ولكنكم أنتم أولاء كما أنتم، فلا يليق بكم أن تتذكروا مفاخر آبائكم إلا أن تفعلوا فعلهم»(4).

ولا شك في أن التراجع الحضاري في العالم الإسلامي قد بدأ عندما قنع المسلمون بما فعله الأجداد، وعندما شاعت مقولات تنشر اليأس في النفوس تقول بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأنه لم يترك الأول للآخر شيئًا. وشاع ذلك في كل مجالات العلوم عقلية أو طبيعية أو حتى دينية. ومن هنا خرجنا نحن المسلمين من حلبة السباق وأصبحنا كما هو الحال اليوم في مؤخرة الركب.

وهذا ما دفع الشيخ محمد عبده إلى أن يعيب على الفقهاء -على سبيل المثال- دعوتهم الناس إلى تقليدهم والعمل بما جاء في كتبهم حيث يقول: «جعل الفقهاء كتبهم هذه على علاتها أساس الدين، ولم يخجلوا من قولهم: إنه يجب العلم بما فيها وإن عارض الكتاب والسنة. فانصرفت الأذهان عن القرآن والحديث، وانحصرت أنظارهم في كتب الفقهاء على ما فيها من الاختلاف في الآراء والركاكة»(5).

وقد جر ذلك وراءه موجات من التقليد الممقوت والتعصب الأعمى، وتم إهمال العقل ومقرراته والعلم وحقائقه فانتشرت الخرافات والأوهام، وما قصة الشجرة التي زعم أنها تحمل لفظ الجلالة أو صيغة الشهادة ببعيدة عنا. فقد اهتمت بها وسائل الإعلام وانهال الناس من كل صوب وحدب على الشجرة لرؤية (المعجزة) والتبرك بها. وكل هذه خرافات وأوهام ما أنزل الله بها من سلطان.

فهل يمكن أن يكون هذا المؤتمر وأمثاله من مؤتمرات علمية عديدة في عالمنا الإسلامي بمثابة حافز يدفع إلى التجديد والإبداع حتى تنتقل الأمة من حالة التراجع الحضاري التي استمرت عدة قرون إلى ما نرجوه لها جميعًا من التقدم والازدهار؟

إن الأمنيات وحدها لا تصنع شيئًا. فتغيير العقليات هو البداية. وتبدل الأحوال لن يسقط علينا من السماء، فزمن المعجزات قد انتهى منذ وفاة الرسول -عليه الصلاة والسلام-. والقانون القرآني هو الحاكم في هذا الصدد وهو قانون واضح كل الوضوح لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. يقول القرآن الكريم في ذلك:

"لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ" (الرعد: 11)

(1) زعماء الإصلاح للأستاذ أحمد أمين، ص733.

(2) فصل المقال لابن رشد (ضمن كتاب: فلسفة ابن رشد) ص83، بيروت 2891م.

(3) المرجع السابق، ص91.

(4) زعماء الإصلاح لأحمد أمين، ص 201.

(5) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج 3 ، ص195، بيروت 1980