حاجة الناس إلى النظم والتشريع

من ويكي الجامعة, مركز التعليم الحر
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ملف:ب .
للللل

حاجة الناس إلى النظم والتشريع[عدل]

الكائن الإنساني مدني بطبعه لا بد له من الاجتماع مع بني جنسه، ولذا قيل: الإنسان مدني بالطبع، إذ لا يتم للإنسان تحقيق حاجاته ومتطلباته المادية والنفسية إلا في ظل مجتمع من بني جنسه، فطعامه وشرابه ومسكنه، كل ذلك لا يمكن أن يقوم به وحده.. فقد لا يستطيع أن يكون مزارعاً وخبازاً وحداداً وحائكاً ومعلماً وغير ذلك في وقت واحد، فكان من تدبير الله عز وجل للخلق أن سخر بعضهم لبعض وجعل بعضهم في خدمة البعض كما قال سبحانه وتعالى: (أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سُخرياً ورحمت ربك خير مما يجمعون) (الزخرف:32) . قال بعض المفسرين: أي ليرتفق بعضكم بعمل بعض وينتفع بعمله. ولا تحصل هذه المنفعة وهذا التسخير إلا بالاجتماع، فإذا اجتمع الناس حدث بينهم الاختلاف والتنازع والتجاذب لما رُكِّب في طبائعهم من حب الخير لأنفسهم واستئثار بعضهم عن بعض بالمنافع، فكان لابد من وازع يزجرهم عن التنازع والتكالب والتخاصم ويفصل بينهم ويبين لكل فرد حدوده وحقوقه وواجباته، فلا يطغى بعضهم على بعض ولا يبغي أحد على أحد.

والوازع المقصود هو النظم والتشريعات التي بموجبها يعرف كل فرد حقوقه وحقوق الآخرين فلا يعتدي عليها، ولا بد أيضاً من وجود سلطة تقوم بفرض النظم وإلزام الناس بها ومعاقبة الخارج عليها، وقد تعاهد الخالق العظيم عباده بالتشريعات المناسبة لهم في كل رسالة من الرسالات السماوية، وختم تلك الشرائع بشريعة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

أهمية النظام في الكون والحياة:[عدل]

يمثل النظام في الكون والحياة ضرورة لا يمكن أن تستقيم الحياة بدونها، وقد تكرر الكلام عن آفاق الكون ومشاهد الطبيعة في القرآن الكريم تكراراً يلفت النظر، وأكثر سور القرآن تستعرض الكون بآفاقه الواسعة وأنواعه الكثيرة، وأقسامه المتعددة، وحركته الدائبة وحوادثه المتكررة، وأنَّه محكوم بنظام بالغ الدقة، ويجري وفق سنن مطردة، وحوادثه السابقة واللاحقة تأتي وفقاً لإرادة الله الأزلِّية، ولا يشذ عنها حادثة من الحوادث لا في الزمان ولا في المكان.. كما أنَّ التطور الذي يتم في الكون منضبط بنظام متقن متكامل.. متناسق مع نظام الحياة في غاية الإبداع.. فكل شيء في الحياة والكون مقدر وموزون ومحسوب، قال تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) (القمر:49)....

والسمة البارزة في عرض القرآن لموجودات الكون، أو ملكوت السموات والأرض، هي أن تعرض عرضا متنوعاً يدعو الإنسان بإلحاح وتحفيز للنظر والتأمل والتفكير في مجرى حوادثها، والدعوة إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، قال تعالى: (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) (فصلت:37)

ويدخل الإنسان ضمن مخلوقا تالله بدءاً ونهاية فدراً وجماعة وأُمّة بل وأمماً في منظومة الوجود ونواميسه وعلله وأسبابه ومسبباته، فالكل خاضع لله، ويتحرك في نظام سنة الله (كل له قانتون) (البقرة: من الآية116)

ورد في سورة (يس) ما يبين أهمية النظام، وأن الكون والحياة تسير وفق نظام في غاية الدقة والإعجاز، قال تعالى: (وءاية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون، والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدرنه منازل حتى عاد كالعرجون القديم، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون).

كذلك الإنسان وهو ذلك المخلوق المكرم الذي استخلفه الله – جل وعلا – في الأرض وسخر له الكثير من ملكوت السموات والأرض ليحقق الرسالة التي أنيطت به، وليسير نحو الغاية التي خلق من أجلها: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (الذريات:56) فإنَّ هذه الرسالة وذلك التكليف لا يتأتي والغاية لا تتحقق في ضوء نظام يحدد مساره، وينظم علائقه، ويضبط أوضاعه، ويحل مسائله وقضاياه، وإلا سادت الفوضى وعمت الجهالة.

وقد استفاضت الآيات الكريمة في عرض قصة آدم عليه السلام، بما يبين أهمية النظام للإنسان وأنه لا يُمكن أن يجد النظام الملائم لفطرته والمتسق مع غايته والكفيل بإسعاده في الحياة الدنيا والآخرة إلا فيما جاء عن الله من الهدى، قال تعالى: ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تضمأ فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليها من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى).

ويرى بعض المهتمين بدراسة التاريخ البشري ودراسة علم الاجتماع والنفس والتربية، وكذلك النظم والتشريعات أن البشر قادرون على وضع التشريعات والنظم لقيام حياتهم وتحقيق وجودهم الإنساني المتميز، وينيطون ذلك بما وهبه الله للإنسان من عقل قادرٍ على عمل ذلك.

ومهما كانت المسوغات والمبررات لهذا الرأي فإنَّ نهاية التحليل تصل إلى حقيقة مستقرة ومسلَّمة نهائية جوهرها ولبها أن العقل البشري المجرد عن هداية الله وغير المتصل بوحيه تعالى إلى رسله لا يتأتى له ذلك بصفة شاملة كاملة مرتبطة بغاية وجود الإنسان ومتسقة مع حقائق الوجود، بل يقصر عن ذلك، وبيان أوجه قصوره في النقطة الآتية.

قصور العقل البشري عن التشريع[عدل]

للعقل منزلة عظيمة، وبه يتميز الإنسان عن كثير من مخلوقات الله, وقد أولى الإسلام العقل اهتماماً بالغاً وعناية كبيرة، وجاء في آيات كثيرة تنويه الإسلام بالعقل كقوله تعالى: (أفلا تعقلون)، وقوله: (أفلا يعقلون) ونحوهما، فالعقل في الإسلام وسيلة إلى الإيمان، وهو مناطق التكليف، وبه يفهم الشرع وتكاليفه وأحكامه، وله مجالاته الواسعة وآفاقه العريضة التي سخرها الله للإنسان، ولكنه محدود بحدود طبيعية ومقيد بضوابط كثيرة، وإذا كانت له مجالات واسعة يمكنه أ، يبدع في مضمارها، وله طرائقه المنطقية الصحيحة في كثير من قضايا الحياة وميادين الفكر فإنه غير قادر على تشريع نظام كامل شامل يكفل سعادة الإنسان ويحقق غاياته العليا في الحياة والوجود إلاّ إذا أعمل في ضوء الوحي وبهديه؛ وذلك لأوجه القصور الملازمة له وأهمها:

  • أولاً: قصوره من ناحية الزمن
فالإنسان مهما نضج عقله، وبلغ من القوة منتهاها في إطاره الإنساني إلا أنه محدود بحدود زمنية وأخرى مكانية، لا يستطيع عقله تجاوزاه أيا كانت عبقريته، أما الحدود الزمانية فعلى افتراض أن الإنسان علم بحاضره الذي يعيش فيه، وعلم شيئاً عن الماضي بالدارسة والإطلاع فإنه لا يستطيع أن يدعي علم المستقبل، ومن الاستحالة على عقله علم ذلك، لهذا فإنَّ النظام الذي تصدى لوضع وتشريعه لو صلح على سبيل الافتراض فسيكون صلاحه في إطار فترة زمنية محدودة، ويكفي هذا الوجه من قصور العقل من الناحية الزمنية قادحاً في النظام الذي صدر عن عقل الإنسان؛ لأنه سيكون عرضة للجمود وعدم الصلاحية بمجرد مرور الزمن، فالغد يأتي بما لم يحط المنظر بعلمه، وعندئذٍ يكون التغيير أمراً لا مفرَّ منه، وقد يكون تغييراً شاملاً ومع التغيير المستمر يصبح النظام غير قادر على توفير الاستقرار والأمن النفسي للمجتمع لما يعتريه من التقلب المستمر والتضارب والتناقض؛ لأنه خضع لإطارٍ زمني ضيق.

إنَّ هذا القصور سمة لازمة للنظم البشرية، مِمَّا جعل الطريق غير مأمون على المجتمعات البشرية في ظل تنظيمها لنفسها.


  • ثانياً: قصور العقل البشري من الناحية المكانية
حيث أنَّ عقل الإنسان محدود بالمكان الذي يعيش فيه، والبيئة التي خضع لمؤثراتها بصفة مباشرة أو غير مباشرة، وما يؤدي إليه ذلك من محدودية العقل وتركيزه على بيئته وجهله بالبيئات الأخرى. فإذا تصدى العقل البشري للتنظيم والتشريع فإنَّ ما ينتج عنه لو صلح – افتراضاً – لبيئة لن يصلح لغيرها...، وعلى هذا لن تتحقق الوحدة المتوخاه في النظم تلك الوحدة التي تعد أساساً في الشريعة؛ لأن البشرية متحدة في أصولها وفطرتها وغايتها، وإن تباعدت الأوطان واختلفت الألوان والألسنة والشعوب والقبائل، والوحدة مطلوبة لتعيش المجتمعات البشرية في سلام ووئام.
  • ثالثاً: الميل إلى طرف من الأطراف

فالميل إلى طرف من الأطراف هي السمَّة الظاهرة على الفكر البشري، أو التركيز على جهة من الجهات، أو فكرة أو نزعة.. ونحو ذلك، استجابة لتأثير البيئة على المفكر، وتأثير النزعة التي تربَّى عليها، فمن ربيَّ على نزعة مادية تطرف إليها وصار نحوها، ومن ربيَّ على نزعة خياليَّة جنح إليها، وقد يميل المفكر إلى نزعة فردية ضد الجماعة، أو على حسابها، وقد يميل آخر إلى نزعة جماعية ضد مصلحة الفرد، لذلك فإنَّ ما يصدر عن الإنسان من نظام سيصطبغ بصبغة ذلك الإنسان نفسه، ويكون انعكاساً لنزعاته وأهوائه وميوله.

وقد ألمح ابن خلدون إلى ذلك حينما تحدَّث عن الملكات وذكر: (أنَّ من أحكم ملكه وأجادها ورسخت في نفسه لا يستطيع أن يجيد ملكه أخرى ويحكمها)، أي إن الإنسان لا يستطيع تحقيق التوازن وبلوغ درجة الإبداع حينما يتصدى للتنظيم، وهذا القصور لدى الإنسان يفرض عليه الميل في التفكير إلى فكرة يبدو له بريقها ثم لا يجيد الوصول إليها، وعندئذ يختل التوازن في النظم البشرية، ولعل (مدينة أفلاطون) إحدى النماذج الدَّآلة على قصور العقل البشري، إذ أراد الخير لمجتمعه وشرع في التنظير له، ولكن بحكم قصور العقل البشري ومحدودية تفكيره أفرز نظاماً مدمراً حيث اشتمل نظامه ذلك على أن يقتل الأولاد الذين يولدون لآباء شريرين حتى يقضي على الشر في مجتمع الفاضل أو مدينته الفاضلة، وكان هذا النظام متأثراً بعقيدة باطلة تشربها (أفلاطون) من بيئته التي تعتقد بتوارث الشر، فترسبت هذه العقيدة في سويداء قلبه ومال إليها تفكيره، وتلونت بها شخصيته، وبالتالي دبَّت في نظامه فجاء نظاماً جائراً وتشريعاً ظالما، وكان من الممكن أن ينجو الفكر البشري من هذه دبَّت في نظامه فجاء نظاماً جائراً وتشريعاً ظالما، وكان من الممكن أن ينجو الفكر البشر من هذه الأفكار الخاطئة والنظم الجائرة لو اهتدى بنور الوحي فالله تعالى يقول: (ولا تزروا وازرة وزر أخرى).

ونزعة أخرى ظهرت في نظام (أفلاطون) بحكم اعتماده على عقله بعيداً عن هداية الوحي، فقد تطرَّف نظامه إلى النزعة الجماعية على حساب الفرد، وكان يرى (أنَّ وجود أي منفعة شخصية لفرد يهدم منفعة المجموع، ولذا يجب أن تنهار المصالح الفرديَّة ويقضى عليها... بحيث لا يجوز أن يكون لأي فرد في الأُمَّة منفعة شخصية تتميز عن منفعة مجموعها). إنَّ (أفلاطون) أنموذجٌ من النماذج البشرية التي حاولت أن تنظم لمجتمعها استناداً على العقل البشري مستقلاً عن وحي الله فكان هذا التطرف الذي لم يستطع تحقيق التوازن بين المادَّية والروحَّية، ولا بين نزعة الفرد ومصلحة الجماعة، ولا بيت الواقع والخيال.

  • رابعاً: جهل الإنسان بحقيقته

إذا كان الإنسان الذي هو موضوع التنظيم، أو الأساس في التنظيم لا يزال مجهولاً عند نفسه فكيف يضع النظام الذي يكفل المحافظة على ضروراته ويلبي حاجاته ومتطلبات حياته بصفة شمولية متوازنة؟!، وكيف يؤمل فيه أن يكون مصيباً فيما يُشرع من نظام بمنأى عن الوحي الرباني الذي يصله بخالقه – عز وجل -.إنَّ جهل الإنسان بحقيقة نفسه وطبيعة حاله حقيقة قررها العلماء المعنيون بدراسة الإنسان، وعلى سبيل المثال فإنَّ (الكسيس كاريل) وهو عالم مختص في مجال دراسة الإنسان، ألف كتاباً أسماه (الإنسان ذلك المجهول) أبان فيه أن الإنسان لا يفهم نفسه ككل، وهذا واضح في قوله: (لقد بذل الجنس البشري مجهوداً جباراً لكي يعرف نفسه، ولكن وعلى الرغم من أننا نملك كنزاً من الملاحظة التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة – فقط – من أنفسنا... إننا لا نفهم الإنسان ككل). ويواصل حديثه مبيناً أنَّ هناك قصوراً كبيراً في فهم الإنسان لطبيعته وأعماق نفسه، فيقول: (إننا نعرفه – أي الإنسان – على أنه مكون من مركب من الأشباح تسير في وسطها حقيقة مجهولة) ويؤكد فيما ذكر بأنِّ معرفة الإنسان بنفسه ما زالت بدائية. إنَّ جهل الإنسان بنفسه كان السبب الأساسي في اختلاف النظرات إليه وتعدد مدارسها التي خبطت في قضاياه خيط عشواء، ففي حين ينظر إليه من خلال بعض تلك النظريات ومدارسها بأنّه إله وأنه سيد الكون، ينظر إليه من خلال جانبه المادي ويصنف في منزلة تقترب من منزلة الحيوانات..، وذاق الإنسان في ضوء هذه النظريات المتعارضة المتناقضة صنوفاً من المرارة، وأصبح الإنسان في العصر الحديث يعيش في أزمة طاحنة، تحدث عنها كثيرٌ من المفكرين وصرحوا بها في كتابات متنوعة، منها على سبيل المثال: ما ذكره (تشارلز فريكل) في قوله: (على الرغم مما حققه العصر الحديث من معجزات العلم والتكنولوجيا، إلا أن الثورة على الإنسان المعاصر الذي سيطر بعقله وعمله على الكون بدأت تشتد وتقوى، إذ أنه على الرغم من كل ذلك لم يحصل على السعادة ولا الطمأنينة، وما زالت قيمه في تخبط ووجوده مهدداً بالقلق). جاءت هذه الأزمة التي تحدَّث عنها (تشارلز) وغيره من العلماء والمفكرين نتيجة طبيعية لاعتداء الإنسان بنفسه واعتماده على العقل فيما شرع لحياته من نظام لا يفي بمتطلبات الناس بصفة تكفل لهم السعادة المنشودة وتنسجم مع غاياتهم العليا ومنطلقاتهم الحقيقية لذلك أصبحت حياة الإنسان، وفي ظل تلك النظم متأزمة، وتحقق فيها قول الله – عزَّ وجلَّ - :(ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى).

لمحة موجزة عن حال الأمم في ظل بعض النظم البشرية[عدل]

تعجز تشريعات البشر ونظمهم عن إسعاد الإنسان وتحقيق غايات وجوده ونشاطه الحضاري الشامل إذا انقطعت عن وحي الله و هدايته سواء في القديم أو الحديث.

أمَّا في القديم فهناك ثلاثة أمثلة تبين بجلاء أن الأمم في ظل النظم التي وضعتها عقول البشر لم تجن إلا الفوضى والقلق والاضطراب والظلم والجور:

  • الأول: النظام الروماني
فقد كان للمجتمع الروماني قانون منظم يوصف بأنه متقن في الصياغة والسيادة، وذلك في القرن الخامس الميلادي وهو المشهور باسم (مدونة جوستينان)، فماذا قدم هذا القانون للمجتمع الروماني ؟

لقد حمى الأشراف وقرر لهم حقوقاً ليست للضعفاء وممّا قرره الآتي:

- إنَّ بعض الرعايا ممن ليسوا روماناً بالسلالة ليست لهم حقوق الرومان فهم كالعبيد يعملون لأجل الرومان، ولتشبع بطونهم.

- إنَّ العبيد لا يعاملون معاملة الآدميين.

- ليست للمرأة شخصية مستقلة بل هي في حكم المملوكة للرجل أباً كان أم زوجاً.

- تجميع الميراث في قريب واحد ويحرم منه الباقون.

فهذا النظام ليس مقتصراً على أنه طبقي فحسب بل يسلب حقوق الضعفاء ليزدادوا ضعفاً، ويعطيها الأقوياء ليزدادوا قوة على قوتهم.

  • الثاني: النظام الفارسي

ارتكز هذا النظام على دعوة دينية تعتمد تعاليم (زرادشت) وهي القول بتعدد الآلهة، أو إله الخير وإله الشر، وما انبنى على هذه العقيدة الفاسدة من الشريكات والتصورات الباطلة، كان من أبرزها دعوة (ماني) إلى التشاؤم المطلق، فقد دعا إلى فناء الإنسانية ليتخلص العالم من شرورهم، ثم أعقبه (مزدك) فزعم أن آثار المباغضة والعداوة المستمرة بين الناس، إنما تقع بسبب الأموال والنساء، فدعا إلى شيوعية الأموال والنساء حتى صار الرجل لا يعرف والده، ولا المولود يعرف أباه، ولا يملك شيئاً، فانهار المجتمع الفارسي بهذه الفوضى العارمة.

  • الثالث: الأعراف الجاهلية أو النظام الجاهلي في الجزيرة العربية:

لم يكن العرب أسعد حالاً قبل الإسلام من غيرهم، ولم يكن لهم نظام جامع ولا وحدة تضمن شتات قبائلهم، وإن كانت القبيلة تخضع لكبير منها يفضل في النزاع الناشب بين أفرادها ونحو ذلك، وكان لهم جملة من الصفات الحميدة ومكارم الأخلاق، ولكن كانت العلاقات بين الناس يسودها الظلم والجهل والتفكك والثارات القبلية، والتبيعة للأمم الأخرى المجاورة لهم من فرس وروم، وكانت عصبية الجاهلية تسطير على المشاعر والمواقف، يقول الشاعر العربي:

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه

	 	يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم

ويقول الآخر: وهل أنا إلا من غزية إن غوت

	 	غويت، وإن ترشد غُزَّية أرشد

ولمَّا جاء الإسلام نهض العرب برسالة الإسلام فأصبحوا قادة العالم وأعلام الهداية، وجنود الحق والتوحيد، في ظل شريعة الإسلام الخالدة التي قام عليها تميز الأمة الإسلامية.

  • رابعاً: حال المجتمعات الغربية غير الإسلامية :

أمَّا حال المجتمعات والأمم غير الإسلامية في العصر الحديث، تلك التي اعتمدت على العقل وتنكرت للدين وأهميته في سعادة الإنسان فإنها بما فيها من مذاهب فكرية متصارعة، ونظم متباينة إنما تعود في جذورها إلى ثقافات قديمة وتطبيقات جديدة شقي بها الإنسان في ظل القوانين الوضعية المختلفة، يقول (الدوكس هكسلي): (إنَّ ألعالم – الآن – يشبه قبيلة تعبد الشيطان، وتعيش في ظل قوانين جديدة قائمة على الشر والحقد، والمادية البحتة، التي تجرد الإنسان من كل مشاعر الإنسان بلا حُبّ بلا تعاطف، وتقوم على تبادلات الاتصال الجنسي على نحو ما تفعل السائمة). واعترف (جاك مارتيان) بأهمية الوحي في تنظيم حياة البشر، ودعا إلى الاعتراف بعجز الإنسان عن وضع النظم الكفيلة بإسعاده وإخراجه من الأزمة المعاصرة، يقول: (إنَّ أيَّ مجتمع بشري يحتاج إلى الإنسان نفسه، وإلا سيكون طرفاً وقاضياً في الوقت نفسه، إذن لابدَّ لكي يحتفظ المجتمع البشري باستقراره وخضوعه للسلطة السياسية، ومن وجود حقائق مطلقة يسلم بها الأفراد جميعاً). وقال عالم القانون الشهير (جورج هوايت كروس باتون): (إنَّ السبيل الوحيد للوصول إلى معايير متفق عليها هو الاعتراف بالوحي السماوي قانوناً).

إنَّ هذه الأقوال تلتقي مع الرأي الذي يعول على الوحي والدين السماوي في قضية التشريع، وأنَّ البشرية من فجر تاريخها اعتمدت على الشريعة الإلهية: (فالحقيقة أن تنظيم الحياة البشرية هو من المفاتيح العليا المقدسة لهذه الحياة، ولم يكن الله سبحانه وتعالى ليترك الناس عرضة للخطأ فيها وللتجارب الأليمة، فإنه في كل مرة يعدل الناس عن نظام إلى آخر تقوم الثورات والحروب والنكبات، وتراق الدماء، وتصادر الأموال، وتضطرب الأمور، وينقسم الناس، ولذلك فقد أهدى الله هذه الهديَّة الغالية، وهي بيان نظم حياتهم).

ومن هنا يتضح (أنَّ الدين منذ القدم ضرورة اجتماعية، والوازع الديني أقوى حافز على احترام القواعد التنظيمية في أية جماعة؛ ومنذ وجدت الجماعات البشرية اتجهت إلى السمو عن طريق النزعات الدينية)، و(أنَّ الديانات السماوية بدأت منذ بدء الخليقة، فالله سبحانه وتعالى منذ استخلف آدم على الأرض أوحى إليه أنه هو خالقه وبارئه، وخالق العوالم الأخرى من إنس وجن وحيوان وموجودات، وخالق الكون كله، كما أوحى إليه بحدود خلافته وذريته في الأرض، وبالقدر اللازم لتنظيم حاجاتهم كجماعة بدائية)، فالدين بشطريه (العقيدة الشريعة) أتى الإنسانَ من عندا لله وظلَّ على عقيدة التوحيد وشريعة الرحمن إلى حين. ثمَّ اقتضت حكمة الله أن ينشب الصراع بين الجاهلية والإسلام، وكلما استحكمت الجاهلية أو كادت بعث الله رسولاً يعيد الناس إلى شريعة الله حتى جاء خاتم الأنبياء وسيد المرسلين بالهدي التام والشريعة الكاملة، فكان منة الله على الأمَّة الإسلامية، قال تعالى: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم ءايته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)، ومما جاء في تفسيرها: (أنَّ الحكمة هي السنة، التي هي شقيقة القرآن، ووضع الأشياء موضعها، ومعرفة أسرار الشريعة، فجمع لهم بين تعليم الأحكام، وما به تنفيذ الأحكام، وما به تدرك فوائدها وثمراتها، ففاقوا بهذه الأمور العظيمة جميع المخلوقين وكانوا من العلماء الربانيين).

مصادر النظم الإسلامية[عدل]

تنقسم مصادر النظم الإسلامية إلى قسمين:

  1. مصادر تستقى منها النظم الإسلامية.
  1. مصادر تدرس من خلالها النظم الإسلامية.
  • أولا: المصادر التي تستقى منها النظم الإسلامية..هي:
  • أ- القرآن الكريم:

تناولت آيات كثيرة من الذكر الحكيم نشاطات الإنسان في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها تقول الدكتورة فتحية نبراوي: لقد وجد المسلمون في القرآن الكريم كل ما يحتاجون إليه في تنظيم دولتهم وإدارة شؤونها وبناء مجتمعهم وتحديد علاقة الأفراد بالدولة وعلاقة الدولة برعاياها". وتوضيح ذلك كما يلي:

  1. السياسة في قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وقوله: (وأمرهم شورى بينهم), وقوله: ( وشاورهم في الأمر) وقوله: (وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين)، وقوله: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله).
  1. الاقتصاد في قوله تعالى: ( وأحل الله البيع وحرم الربا), وقوله: ( يمحق الله الربا ويربي الصدقات)، وقوله تعالى: ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس) وقوله: (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم).
  1. الإدارة: في قوله تعالى: ( يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين) وقوله: ( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم).
  1. التربية والتعليم في قوله تعالى: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق) وقوله: ( ن والقلم وما يسطرون)، وقوله: (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بنيِّ لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم، ووصيّنا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن), وقوله: ( قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً).

‌*ب- السنة النبوية المطهرة:

  1. السياسة نجد أحاديث مثل (لا يحل لثلاثة يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم) وقوله صلى الله عليه وسلم (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه وذكر منهم إمام عادل) وقوله عليه السلام (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)
  1. الإدارة (من ولي من أمر المسلمين شيئاً فاحتجب دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا احتجب الله دون حاجته وخلته ومسكنته يوم القيامة
  1. الاقتصاد (" لا يحتكر إلا خاطئ") وقوله (لا يبع أحدكم على بيع أخيه) و(البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)
  1. التعليم قوله عليه الصلاة والسلام (طلب العلم فريضة) وقوله عليه السلام (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).

‌*ج- الإجماع: مثل إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على وجوب الإمامة، وهو إجماع مبني على أساس من الكتاب والسنة.

‌*د- القياس: والقياس كما عرفه الإمام الغزالي في المصطفى بأنه: "تعدية حكم من الأصل إلى الفرع بعلة محددة لا تعرف بمجرد فهم اللغة". أو إلحاق فرع بأصل في الحكم لعلة جامعة .

هـ الاقتباس من الأمم الأخرى مثل اقتباس الدواوين من الفرس واقتباس أنظمة المرور واقتباس المسلمين نظام الساعات المعتمدة في الجامعات من الغرب بعد أن كان الغرب قد اقتبس هذا النظام من نظام التعليم الإسلامي في المساجد حيث كان الطالب يختار الشيخ الذي يدرس عليه والمنهج الذي يرغب.